Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

 

http://i47.tinypic.com/2cxggft.jpgكنت وقتها في أحد مكاتب فحوصات المستشفى الذي أعمل فيه عندما رن هاتفي ... عادة لا أجيب على الهاتف أثناء العمل لأني أكون في حال لا يسمح لي بإيلاء المتصل ما يستحقه من اهتمام فيظن بأني أريد صرفه أو أني أقصر في واجب احترامه و الأدب معه ... تخيل معي بأنك أمام العشرات من المرضى، وعليك أن تخبر كل واحد منهم بأنه إذا أراد الشفاء التام من مرضه فعليك أن تبتر ساقه أو ذراعه أو ثديه ... في كثير من الحالات يبلغ السرطان من الإنتشار في الجسم حدا لم يعد الدواء ولا الجراحة يجدي معه نفعا ... تخبره بذلك فتتحول في عينيه في ثانية ببدلتك البيضاء من آخر ملك للرحمة إلى أول ملائكة العذاب ... يشم فيك رائحة الموت الذي فر منه طوال عمره فيجهش أمامك بالبكاء و يغمرك بحزنه ومصابه... تخيل أن يتصل بك في هذه اللحظة صديقك المختلف تماماً عن هذا المريض الذي يستعد لرحلة الموت الأليمة؛ صديقك على العكس يملك الصحة والعافية والمال والجمال والوقت وآخر ما يفكر به هو الموت ... لأنه في سكرة الحياة ... يضحك ويسأل عن سبب غيابك ويريدك أن تسافر معه إلى بحر تطوان أو أن تحتسي معه قهوة في المساء في محج الرياض ... شارع في حي راق به مقاه، كوب من عصير الفريز-أناناس به يعدل وجبة غداء لخمس أشخاص في حي آخر يبعده بمئات من الأمتار ... خاطري يهرب من الإجابة على الهاتف وأنا أعمل ... هناك أسباب أخرى طبعا 

ولكن الذي اتصل بي ذلك اليوم شخص آخر ... من طينة أخرى ... هو صديق عزيز ... لا يتصل إلا إذا كان الأمر جللا و الغرض مهما ... أجبته فأخبرني بأنه علي أن أقرر في يومين : هل أنا مستعد للذهاب إلى سوريا ؟ ... كي كي كيفاش ؟ ... نعم هناك هيئة طبية ستنظم قافلة إغاثية جراحية إلى سوريا، أو على الأقل في الحدود السورية التركية ... سوريا يعني الحرب، يعني الدمار، يعني الموت ... ألو أيمن، المهم أنتظر إجابتك غداً، إذا كنت تعرف جراحين يريدون الذهاب فأخبرهم بالأمر.
 

إنتهت المكالمة ... فأصبحت كالمريض الذي أمامي : أفكر في الموت فجأة

امتزج خوف فراق ملذات الدنيا ووجوه الأصحاب والأحباب بفرح إرضاء هذا الضمير الذي يؤنبني منذ زمن طويل ... يؤنبني في صمت لصمتي المطبق على ظلم الظالمين في سوريا و فلسطين و العراق و تركمنستان وبورما وكشمير و غيرهم ... على الأقل لن يؤنبني هناك ... الضمير يؤنب على حال المغاربة كذلك ... يؤنبي لإنجرافي وراء المال وتحسين الحال في صمت والملايين يموتون ويجهلون ويفقرون في صمت ... صمت على المستبدين والمفسدين ... حب الدنيا وكراهية الموت ... أنا ومن بعدي الطوفان ... "تفوتني وتجي فين ما بغات" ... الحياة في المدن الكبرى تعلم الأنانية والكبر والإنزواء والإستهلاك والعنصرية والملل والإضطرار إلى إعادة نفس اليوم خمس مرات في الأسبوع ... على الأقل لن أعيش هذا هناك ... في سوريا ستفرز غدتي فوق الكلوية الكثير من الأدرينالين، سيخفق قلبي، وترجع الإثارة إلى الحياة ... يخرج الحي من الميت ... تحيا الحياة في مواطن الموت ... وتموت ضمن الأحياء
 

لم يكن من السهل بأن أقتنع للذهاب إلى مناطق تفوح منها رائحة الموت والتضحية بالوقت والنفس من أجل أن يحيى الآخرون في حرية وكرامة ... أظن أن المسألة لها علاقة بفهم كل واحد منا لهذه الحياة ومدى دقة تحديده لمبادئه ورسالته وأهدافه ... فمن يعيش لإشباع نزواته و رغباته فقط و يكون أعلى مبتغاه هو تحقيق أقصى درجات الرفاهية وبلوغ أعلى درجات الشهرة والمجد والقوة لا لشيء سوى لإثبات وجوده والإحساس بندرته وأهميته في وسطه ، هذا الشخص لا تحتاج أن تقنعه بالمشاركة في عمل إنساني لأنه فاقد للانسانية والروح ... حولته الآله الإستهلاكية و عبادته لذاته و الجري وراء لذاته إلى وحش مفترس مهووس و متيم في دنيا المادة ... نفسه لا تشبع و قلبه لا يخشع و عينه لا تدمع ... و دعاءه لا يسمع
 

إنما يستجيب الذين يسمعون و الموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون
 

إنما يستجيب أولئك الذين فهموا مغزى الحياة و علموا أنها تعطي للذي يعطي ... تعطيه الطمأنينة و السكينة و الرضى عن النفس إذا ما أعطى وأنفق من علمه وعمله وماله ونفسه ... يستجيب الذين يحسون بالمسؤولية تجاه ما يقع من ظلم وطغيان وفساد في الأرض

إنما وقع الظلم عندما سكت الناس و تجبر الطاغية عندما خنع الناس وفسدت الأرض عندما عجز الناس عن الإصلاح ... و أنت واحد من الناس، لست محايدا، ولست بمنأى عن المسؤولية ... صمتك تواطؤ وكسلك خيانة وأنانيتك تنكص بك عن أداء الأمانة ... يستجيب الذين كسروا حاجز الخوف وملوا حياة الذل وأحسوا بالواجب تجاه إخوة لهم في الدين والعقيدة ... بل أناس مثلهم تنتهك حرماتهم ويقتل أبنائهم وأزواجهم ... يستجيب الذين في قلوبهم الغيرة والنخوة والإيمان ... الذين يبصرون بعين البصيرة والذين يعلمون بأن الله قد اشترى منهم أموالهم و أنفسهم مقابل الجنة ... فلا يستطيعون استرداد ما باعوه لأنه بيد الذي بيده كل شيء و هو العزيز القدير

من الأكيد بأني لا أتوفر على خصائص "الذين استجابوا" ولكن حاولت أن أكون مثلهم ... فبعد طول تردد وتفكير، أتصلت بصديقي لأخبره بأني على إستعداد للذهاب ... موت وحدة كاينة

تم اختيار 11 طبيبا من ضمن 24 الذين وافقوا على الذهاب ... أعطيت الأسبقية للذين شاركوا في حملات إغاثية أخرى لأنها أول حملة شعبية مغربية إلى سوريا، على أن يذهب الأطباء المتبقون في حملة أخرى بعد عودتنا ... سنذهب يوم الجمعة 12 أكتوبر على الساعة الواحدة و النصف زوالا من مطار محمد الخامس

_______________________________________________________


 

الحلقة الثانية


الحلقة الثالثة


الحلقة الرابعة


الحلقة الخامسة


الحلقة السادسة


الحلقة السابعة


الحلقة الثامنة


الحلقة التاسعة

 

الحلقة العاشرة

 

الحلقة الأخيرة

Tag(s) : #مذكرات و خواطر

Partager cet article

Repost 0