Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

http://i49.tinypic.com/i5yd5j.jpgتعلمت من الطب بأن سبب الأمراض الفتاكة يعود في الكثير من الأحيان إلى أشياء لا نعيرها اهتماما، بل لا نأبه حتى بوجودها و خطورتها ... كذلك الثورات

البداية : بداية نهاية حكم الأسد، كانت من درعا حينما قام صبيان بكتابة : "الشعب يريد إسقاط النظام" في مدرستهم الإبتدائية على غرار ما يرونه في نشرات الأخبار، فقام الأمن الصبياني باعتقالهم، وكذا اعتقال معلمتهم بتهمة أنها من تحدثت لهم في أحد الدروس عن الحرية ... كان إذن من البديهي أن يذهب أهل الأطفال إلى مخفر الشرطة ليسألوا عن فلذات أكبادهم ... و هنا كانت المفاجأة أو بالأحرى الشرارة التي أشعلت نار الثورة التي يروح ضحيتها أكثر من مائة شخص كل يوم، قال لهم مسؤول الأمن : "هؤلاء الأطفال أبناء حرام : اذهبوا و أنجبوا آخرين غيرهم و إذا لم تستطيعوا الإنجاب فهاتوا نسائكم ننجب لكم أطفالا" ... فرجع الأهالي دون إطلاق سراح الأطفال واشتكوا لزعماء العشائر الذين ذهبوا بدورهم عند المحافظ من أجل التوسط لحل المشكل قبل أن يتأجج الصراع ؛ وكان من أعراف هؤلاء أنهم إذا كانوا غاضبين ودخلوا عند أحد وضعوا عمائمهم على الطاولة ولا يرجعونها حتى ينفد طلبهم ، فأمر المحافظ أن تجمع العمائم وترمى في القمامة

أغضب هذا السلوك المستفز الناس فخرجوا في مظاهرات لمحاسبة المحافظ وكانت أولى الشعارات تطالب بإعفاء المحافظ من مهامه فقط ... ولكن سرعان ما توسعت المظاهرات إلى كل الأحياء وزادت حدتها عندما استفاق الناس على جثث أطفالهم وأثر التعذيب بادية عليهم. لم يكتفي الجناة بذلك بل مثلوا بجثث الأطفال الأبرياء - ببتر أعضائهم التناسلية - وكان على رأسهم الطفل الشهيد حمزة الخطيب ... هنا خرجت المسيرات بقوة في درعا فرد النظام بالعنف والقمع والإعتقال وإطلاق الرصاص على المتظاهرين العزل فتحولت الشعارات في درعا من المطالبة بعزل المحافظ إلى المطالبة بإسقاط النظام ... ولم يزد خطاب الأسد البارد المنحاز لمحافظ درعا واتهام أطفالها بالمجرمين الطين إلا بلة، فانتشرت المظاهرات في كل مدن سوريا كالنار في الهشيم ثم الإلتفاف بعدها بأشهر حول الجيش الحر مطالبة بصوت واحد برأس الأسد

أردت أن أنهي هذه المذكرات بقصة البداية، ولكن لا يفوتني أن أعترف بأني قضيت هناك أحلى أيام حياتي لأني كنت أستشعر كل ثانية أعيشها ... الصلاة في سوريا مختلفة تماماً عن الصلاة فيما سواها ... فعندما يقول الإمام : صلوا صلاة مودع و اخشعوا في صلاتكم ... فإنك لا تبدل جهدا كبيرا لاستشعار ما يقول لأنك فعلا تطرح في كل صباح السؤال الصعب و المؤرق : هل سأعيش إلى المساء أم لا ؟ ... الشعور بأنه قد يكون هذا هو آخر يوم في حياتك يجعلك تعيش كل لحظة على أنها الأخيرة فتضحك بعمق و تفكر بعمق و تتذوق النوم و الأكل و كل لذة من لذات العالم ... لا تتعامل مع الناس على أساس المصلحة و لا تفكر قلقا خائفا على المستقبل فيوصلك هذا الشعور إلى أحد أسرار السعادة ... أن تعيش حاضرك بكل جوارحك و تتظر إلى المستقبل بأمل ... هكذا يعيش السوريون الآن

كنا نستقبل القتلى بالعشرات ... فقدت امرأة اليوم في المستشفى الذي نعمل فيه زوجها و ابنها ... رجل فقد أخاه ... رجل فقد زوجته ... طفل فقد والديه ... تصلنا عشرات الضحايا يوميا ... في كل مرة تردد عائلة الضحية باكية شعار الثورة : يا الله ما لنا غيرك يا الله ... يا الله ما لنا غيرك يا الله ... فراق الزوج و الإبن و الوالد مؤلم ... ولكن الشعب السوري يعلم بأن الحرية تشترى بالنفوس و أن الشهادة أفضل من حياة المذلة ... ما أراه هنا مذهل، الجرحى لا يسألون عن خطورة الإصابة ولكن متى سيعودون لمطاردة الأسد مرة أخرى ... الناس هنا لها هم واحد و هدف واحد و غاية واحدة : إسقاط نظام بشار الأسد.

في آخر يوم لي في هذه الأرض الطاهرة و بعد مغادرة المستشفى بالدموع، مررنا على مخيم اللاجئين مرة أخرى ... نظرت إليها ... تلك الطفلة التي استقبلتنا أول يوم ... إيمان (الصورة) ... بنت في السابعة من العمر ... شعرها الأشقر الحريري القصير الذي بالكاد يغطي عينيها العسليتين ... من أجمل أطفال العالم ... أسألها عن اسمها و سنها و مدينتها فتحمر وجنتاها و تجيب بصوت خافت ... استقر الحال بإيمان في مخيم اللاجئين على الحدود التركية السورية ... رأيتها حافية ... تزين يدها بخاتم من حديد صنعته في المخيم ... تلبس إيمان بذلة نوم زرقاء رثة ... تبعتنا أثناء عبورنا المخيم و كأنها تريد أن تقول لنا شيئا ... لم يكن هناك داع لأن تتكلم ... لسان حالها كان يقول بأنها تعاني الفقر و الخوف و الوسخ و نقص الغذاء و الغطاء و الدواء ... هل ستتغلب إيمان على الفقر بجمالها بعدما تكبر أم أن إيمانها سينسيها ماضيها البئيس ؟ ... أدعو الله أن يهب لها من يشتري لها خاتم من ألماس و ينسيها دمار بشار و ما عانته في طفولتها وتنجب له بنين و حفدة ... غادرنا المخيم الحدودي ... غادرت سوريا و إيمان تشير بيدها تجاهي ... ودعت سوريا موقنا بأنني سأعود إليها مرة أخرى

لم نشعر ولو للحظة في سوريا بأننا كنا نخدم بلد آخر لأن مصيرنا وحضارتنا ولغتنا وديننا ونبينا وكتابنا وإلهنا واحد وإن اختلفت الخصوصيات الإجتماعية والسياسية ... والآن نعود إلى المغرب الحبيب تاركين جزءا منا في سوريا

هذه الأمة خلقت ليساعد بعضها بعضا ويرحم بعضها بعضا إن هي أرادت إثبات وجودها بين الأمم ... عندما أيقن مارثن لوثر كينغ بأن تفرقة السود في أمريكا إنما تخدم السيد الأبيض المستبد، قال قولته المشهورة : "إن لم نتعلم أن نعيش كإخوة فسنموت كلنا كالأغبياء" ... كذلك نحن ... إنما هي دولة واحدة لا حدود لها ولا عواصم ولا رايات ... غربها في طنجة وشرقها في جاكارتا ... إذا اشتكى منها عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى
 

 

Tag(s) : #مذكرات و خواطر

Partager cet article

Repost 0