Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

كانت الساعة تشير إلى الرابعة و النصف عندما دخلنا إلى غزة، و أول ما لفت انتباهنا هو الطوابير الطويلة للناس و هم ينتظرون دورهم لشراء الغاز من الجانب الإسرائيلي لرفح … و معلوم أن إسرائيل تمنع بيع الغاز كليا للفلسطينيين طوال السنة إلا في بعض الأحيان كما صادفنا ذلك و التي قد يصل ثمن قنينة 12 لتر من الغاز خلالها إلى 13 دولار أي 30 ضعف الثمن الذي تشتري به إسرائيل من مصر … فيضطر الفلسطينيون بتمريره من الجانب المصري عبر الأنفاق التي تشكل الشرايين الرئيسية للقطاع ثم بيعه بأثمان باهظة ، لأنه لا يسمح بدخوله عبر المعبر الحدودي … أما البنزين و مواد البناء من إسمنت و حديد و زجاج فهي محرمة على القطاع و لا يمكن إدخالها إلا عبر الأنفاق لاعتقاد المحتلين بأن فصائل المقاومة قد تصنع منها السلاح ، و لهذا السبب فإن أغلب العائلات تعتمد القناديل القديمة و الوابور و الشموع وإشعال الحطب للطهي والإنارة


بعد الترحيب الكبير الذي خصصته لنا لجنة استقبال الوفود ، تم نقلنا إلى مستشفى غزة الأوروبي الذي شيده الإتحاد الأوروبي في سنة 1999 و رحل منها بعد الإنتفاضة بقليل ، و هو يقع في منطقة الفخاري التابعة لمحافظة خان يونس مسقط رأس الدكتور عبد العزيز الرنتيسي رحمه الله ... و هو أحد 13 مستشفى في القطاع، يبعد عن الدولة الصهيونية ب3 كيلومترات و الذي و إن كان في حجم المستشفيات الإقليمية المغربية إلا أنه أكثر تنظيما و تجهيزا و رونقا من المستشفى الذي أعمل فيه في الرباط و الذي يعد أكبر مستشفى في المغرب



فعلى سبيل المثال، بينما يعيش مستشفى ابن سينا المغربي في العصور الحجرية و ذلك بتدوين التحاليل الطبية في أوراق قد تتعرض للتلف و التي يجب في كل حين الذهاب لاسترجاعها من مصلحة البيولوجيا ، و بينما تكتظ أروقة مصالح الأشعة بالأطباء المتمرنين و الداخلببن و المقيمين لأنه يتوجب عليهم في كل مرة التأكد من موعد التشخيص و استرجاع النتيجة ، يعتمد مستشفى غزة على نظام معلوماتي عالي المستوى يسهل التواصل بين المصالح وتدبير المواعيد و عرض النتائج لكي يسهل العمل و يربح الوقت و يتفرغ الأطباء المتعلمون إلى ما هو أهم ... و بينما لا يتوفر مستشفى ابن سينا لا على شبكة الإنترنت و لا على مكتبة علمية و لا مطعم للأطر الطبية ، أستمتع في غزة المحاصرة و التي خرجت للتو من حرب إبادة بكتابة و إرسال هذه الكلمات من مركز معلوميات المستشفى الذي يقع بجانب مكتبة علمية مجهزة بكتب طبية و جراحية حديثة و عالية المستوى و قاعة اجتماعات تفتح شهية نقاش ملفات المرضى و بعد ذلك سأذهب لتناول وجبة الغداء مجانا في لأني من أطر المستشفى ... هذا لأن المشرفين على القطاع الصحي في قطاع غزة هم أناس لا يستغلون مناصبهم لنفخ أرصدتهم البنكية و لا يحولون التبرعات و الصفقات إلى سفريات و سهرات ، أناس يعلمون علم اليقين بأنهم راعون و أنهم مسئولون على رعيتهم و أنهم مسئولون غدا يوم القيامة عن كل صغيرة و كبيرة و كل درهم أو دولار من أين أخدها و ماذا عمل بها ... و هذا يختلف حسب من يسير المستشفيات لأني رأيت نموذجين مختلفين عن مستشفى غزة الأوروبي و لاحظت فيهما بعض مظاهر الرشوة و الغش

إن قطاع غزة لم ينتصر على طائرات و دبابات العدو الصهيوني فحسب، و لكنه انتصر على الهزيمة النفسية و الإحباط الذي قد يسببه الحصار و الدمار، لأننا نرى حقا أناس يشتغلون بمعنويات عالية غير آبهين هل يدمر العدو في لحظة ما قد يبنوه في سنوات ، لأنهم يعتقدون بحكم المرجعية الإسلامية السائدة في غزة بأن تأدية الواجب فرض و الإحسان فيه عبادة و أن إتقانهم للعمل تغيض العدو و تعلن هزيمته ... إننا نرى أناس لا يتأخرون عن الميعاد و لا يبخسون في مكيال العطاء، يعملون لدنياهم و كأنهم يعيشون أبدا رغم أن هناك احتمال كثير بأنهم قد يموتوا غدا...... صحيح أن المستوى العلمي للأطباء متوسط شيء ما لأنهم يتعلمون غالبا في روسيا و بلدان أوروبا الشرقية و لكن العزيمة و الرغبة في التحسن عالية جدا

بعد استقرارنا في مبنى السكن داخل المستشفى، قمنا بزيارة سريعة لمحافظة خان يونس التي فقدت حوالي 50 شهيد خلال العدوان و هو رقم يقل بكثير عما تعرضت له محافظات الشمال التي تركز فيها القصف بشكل كبير جدا ... و خلال تفقدنا للمدينة، التقينا بمدير البلدية الذي رحب بنا و حكا لنا قصة المدينة، أسرد لكم بعض مما نورنا به

خان – الذي يعني سوق - يونس مدينة تبلغ من العمر 750 سنة، مساحتها حوالي 56 كلم2 و عدد سكانها 200000 نسمة، كانت تعتبر ملتقى القوافل التجارية بين مصر و الشام و كانت محطة استراحة أمير مملوكي – المماليك كانت تحكم مصر قبلة الدولة العثمانية – اسمه يونس النوروزي ... و شهدت هذه المدينة مجزرة عظيمة في سنة 1956 خلال العدوان الثلاثي بحيث قتل الجيش الصهيوني 570 رجلا في يوم واحد، تحكي نساء المدينة الآتي تتذكرن المأساة بأن الصهاينة كانوا يصفون ما وجدوا من الرجال على الحائط ليقتلوهم مجموعة بعد أخرى و أنه من شدة قتل الرجال فإنهن لم تجدن من يغسل الأموات و يحفر القبور

بعد ترحيب مدير البلدية رجعنا إلى المبنى لنتلقى ترحيبا من نوع أخر ، هذه المرة من الجانب الإسرائيلي و هو عبارة عن قذيفة أطلقها الطيران العسكري في رفح مستهدفا الأنفاق ، سمعناها و كأنها على بعد أمتار، استشهد على إثرها 3 فلسطينيون

Tag(s) : #مذكرات و خواطر

Partager cet article

Repost 0