Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

تظهر في كل المجتمعات التي تتعرض لإحتلال طويل و حروب قاسية ، فئة تتعب من المقاومة و تسأم من النصر فتبدأ بالمساومة على الأرض و الإعتراف التدريجي بالمحتل ، فيبدأ هذا الأخير بتسليط الضوء على هذه الفئة و كأنها حكيمة و راشدة في التعامل مع الأحداث و أنها تفهم الواقع جيدا و تسعى لمصلحة شعبها ... فيتحرك الحريصون على الحياة و العاجزون عن المواجهة للإنضمام إلى هذه الفئة الجبانة ، و يبدأ الإحتلال بتمويلها كي تتوسع و تتقوى ، ثم يختارها كممثل للأرض المحتلة فتصادق القوانين التي تخدم الإحتلال وتوقع الإتفاقيات التي تضر بالمحتل مقابل بضع سنوات زائدة من الحياة ... أي الأرض مقابل السلام

عند مجيئي إلى أرض فلسطين ، لاحظت تناقضا غريبا بين إرادة الشعب الفلسطيني الذي تؤمن غالبيته بخيار المقاومة و التضحية بالغالي و النفيس من أجل تحرير فلسطين ، كل فلسطين ... و بين ما كنت أسمع و أراه في الأخبار ممن يدعون تمثيل الفلسطينيين في المحافل الدولية ، المراهنون على مسلسل السلام مع عدو السلام ، بائعوا الأحلام لشعب لا حلم لغالبيته إلا الموت في سبيل الله

إن ما رأيته في قطاع غزة هو للخيال أقرب منه للواقع ... فبحكم إشتغالي في المستشفى الذي كنا لا نغادره إلا نادرا، كنت أسأل بعض الجرحى و ذوي الشهداء عن ما خلفته الحرب في نفوسهم ... فكنت أفاجئ بحسرة و حزن الجرحى على عدم إستشهادهم و خوفهم بأن يكون سبب ذلك هو نقص في إيمانهم و إخلاصهم بينما كانت تعم عائلة الشهداء فرحة فريدة ، يغلب عليها الصمت و يمتزج فيها الشوق إلى الشهيد و صعوبة فراقه بشكر الله على إصطفائه من ضمن الآلاف ليكون شفيعا لأهله يوم القيامة

كنا نلبي بعض الدعوات في زيارة بيوت الشهداء ، التي تكون عادة مكللة بالزهور و بصور البطل ... فنلاحظ إفتخار و إعتزاز الأب بالمرتبة العالية التي خص الله بها إبنه و هو يحدثنا عن بعض جوانب حياته و لحظة موته ... و من الأشياء التي شدتني هو إنتباه و إهتمام الأطفال إلى ما يقال و تجاوبهم مع كل قصة ، فبرغم صغر سنهم الذي لا يتجاوز السابعة أو الثامنة ، إلا أنك تحس بأنهم في كامل الوعي بأن الأمر يخصهم كذلك و تبصر في أعينهم الصافية رجولة تكتمل و بطولة تنتظر … لن أنسى طفلا من العاشرة من عمره الذي قال لي بكل قوة و ثقة عندما حاولت معرفة أحواله " هل تعرف ما هو الخوف ؟ أنا لا أتكلم عن الخوف الذي تحس به عندما يباغثك أحد أصدقائك ، أو الخوف من الرسوب في الإمتحانات ، نحن لا نسمي ذلك خوفا ...إنما أقصد ذلك الإحساس الذي ينتابك عندما ترى دبابة قادمة نحوك أو قذيفة ... فبما أنك لا تستطيع أن تدرك ما هو الخوف و الرعب اللذان عشناهما طوال 23 يوما فإنك لن تستطيع مواساتي أو الرفع من معنوياتي ... و لكي أوفر عليك الجهد ، فمعناوياتي مرتفعة والحمد لله

أما بخصوص الجنائز ، فقد شاءت الأقدار أن نحضر جنازة شاب في العشرينات ، مات متؤثرا بجراحه بعد شهر من إنتهاء العدوان ... لولا صوره في مقدمة الخيمة و بعض الحزن المرسوم على وجه بعض الحاضرين ، لحسبته حفل خطوبة أو عقد قران لما شاهدته من تبادل االتهاني و الأناشيد و تقديم المشروبات و التمر على الحاضرين ... وكما هي العادة في أحياء الشهداء ، فقد تم تخصيص مكان في وسط الحي كي تعلق فيه صورة كبيرة للشاب الشهيد ، كي يترحم عليه الصغير قبل الكبير ، و يقتدي به الشباب، و يكون معلمة من معالم قطاع غزة الذي تروى أرضه يوميا بدماء الشهداء و تزركش حيطانه بصورهم

و على ذكر حيطان المدينة ، فهي لا تخلو بالإضافة إلى آثار القصف من العبارات الصادقة و الشعارات الحماسية و التهاني بالإستشهاد ، و كأنها مذكرة عمومية يعبر فيها سكان القطاع عن مشاعرهم ... فكانت تجسد نبض الشارع و تؤكد إجماع غالبيته على خيار الصبر و الصمود و المقاومة ... كقول أحدهم

من لم يمت بالسيف ، مات بغيره .... تتفرق الأسباب و الموت واحد

مقابل ذلك ، فهناك في قطاع غزة فئة أقل تعدادا كنت ألتقي بها بين الفينة و الأخرى ، ترى في المفاوضات و الإعتراف المرحلي بالمحتل حلا لفك القضية، ظنا منهم بأن ذلك سيعطي للشعب متنفسا كي يعيشوا كبقية الشعوب في طمأنينة و أمان

قبل السفر إلى غزة، كنت أظن أن الصراع الداخلي هو خلاف بسيط يمكن حله بشيء من الحوار والتفاهم، غير أن الأمر ليس بهذه البساطة والسطحية وإنما هو صراع مرجعيتين مختلفتين و رؤيتين متباينتين ... بين من لا يريد الإعتراف بالمحتل إطلاقا و بين من خيل إليه بأن الإعتراف به حكمة ... بين من يرى في القتال جهاد و بين من يرى فيه إنتحار ... بين من يرى في المقاومة حياة و بين من يرى فيها الهلاك

فما عساني أن أفعل سوى أن أدعو جامع الناس ليوم لا ريب فيه بأن يجمع كلمتهم و يسدد رميهم و ان يريهم الحق حقا و يرزقهم إتباعه و الباطل باطلا و يرزقهم إجتنابه
Tag(s) : #مذكرات و خواطر

Partager cet article

Repost 0