Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

http://i32.tinypic.com/1sbm20.jpgأثناء تجوالي في طرقات بيروت، لم يكن عندي هدف واضح سوى التفرس في وجوه المارة، و التنقل من معلمة إلى أخرى ومن حي إلا أخر لالتقاط الصور والتعرف على المدينة، لاحظت بأن اللبنانيين بأكثر ماهم حاضرين بقوة بهندامهم المهذب و حقائبهم الجلدية أمام مقرات أعمالهم المحترمة، بقدر ما يغيبون تماما عن الأعمال البسيطة، التي يزاولها في الغالب السودانيون والسوريون لأن الراتب هنا مضاعف والعمل الغير مرغوب فيه موجود، والفلسطينيون الذين يجدون أنفسهم مرغمون لعمل أي شيء – و إن كان متعلما – لتوفير لقمة العيش إلى أسرته في مخيم اللاجئين.

المشكلة هنا مقارنة مع باقي الدول التي يستقر فيها الاجئون هو أنه لا يسمح للفلسطينيين بالعمل إلا في بعض الأعمال التي تحددها الحكومة ... ربما لأن لبنان أقل قومية من باقي دول المنطقة، فقرارها السياسي موزع على الكثير من الأطياف السياسية التي لا تستطيع الخروج برأي موحد بخصوص قضية حساسة كهاته بخلاف سوريا مثلا التي يتمتع فيها الفلسطينيون بكل الحقوق
أما فيما يخص أعمال البيت و رعاية الأطفال فتتكلف بها في غالب الأحيان الخادمات المستوردة من دول شرق اسيا كسرلانكا و اندونسيا و الفلبين كما هو الحال في بلدان الخليج و مؤخرا لدى العائلات المغربية الثرية ...
فقليلا إذن ما نجد شاب لبناني وسيم يشبه فرانسكو توتي يشتغل حارس شركة، أو اخر يشبه ديل بييرو يشتغل بائعا متجولا أو صيادا كالذي تعرفت على عائلته قرب صخرة الروشي الشهيرة، والذي إقترحت على والده ضاحكا بأن يذهب به إلى إيران لأن هناك شركة إنتاج أفلام تبحث عن من يقوم بدور نبي الله يوسف، فأجابني بحكمة " ربما جعل الله ولدي صيادا لكي لا يغتر بجماله و لكي لا يفتتن به أحد" ...

قضيت مع عائلة الصيادين حوالي ساعتين، و إن كنت في البداية لا أريد إلا كوبا باردا من الماء ... أدركت بعد الراحة النفسية التي غمرتني و أنا اخد كل وقتي لكي أحكي لهم عن المغرب على نغمات غيتارة يوسف و أنصت إليهم مليا و هم يسردون لي تاريخ بلدهمم بكل تلقائية ، أدركت بأن المدينة مرض فتاك يسبب إرتفاع ضغط الدم و مرض السكري و السمنة و الاكتئاب و الوسواس القهري و تربي في الإنسان الحسد و الضغينة و الأنانية و عبادة الذات ... راودتني هذه الفكرة لملاحظتي التحول المفاجئ من إحساسي بالتيه و الفراغ وأنا أحوم بمصورتي وسط الناس وسط المدينة الذي كان لكل ماشي أو جالس منهم غرض يقصده أو ينجزه، و هو لا يستمتع بكل ما حوله من حياة، و بين عائلة الصياد التي تستمتع بأدق تفاصيلها على بساطة كوخهم و قدم حرفتهم.

تسكن هذه العائلة قرب الروشي و هما صخرتان على بعد أمتار من الضفة المتوسطية لبيروت، بعيدة بكيلومترين تقريبا عن وسط المدينة، و يقال بأنهما كانتا مقصد البائسين من الحياة، المفكرين بالإنتحار لوضع حد لعذابهم المستمر في ظل حياة بدون معنى أو مشكل بدون حل ... و كم كان من الممكن أن يغير هؤلاء قرارهم لو أبصروا الكوخ الذي بقربهم ليذهبوا و يطلبوا من أبي يوسف كوبا من الماء و يجلسوا إليه قليلا ليحكي لهم عن عظمة و رعاية الله الذي ينجيهم من ظلمات البحر وموجه في كل مرة يدعونه فيها ... كان ذلك سيمكنهم حتما من لمس روعة الحياة عندما تتغدى بالقناعة عن الله، و الرضى بقضاءه ، و التوكل عليه و طلب الرزق منه، و أن أكبر المصائب هو سخط الله، و أعظم العطايا رضاه و عفوه، و أن في الجسم مضغة إن صلحت صلح الإنسان و سعد و إن فسدت فسد و شقي ألا وهي القلب، لو أن الناس يعلمون.

هذا القلب الذي نجده غالبا حيا و نقيا عند الصيادين و الغواصين و عابري الصحاري، لأنهم يعلمون أنه من رزق الحوت في البحر و النمل في البر و العصفور مع النسر لن يضيع رزق عباده من البشر... هؤلاء الناس الذين يقرؤون يوميا ايات الله الكونية، و لا تحجبها عنهم بهرجة المدينة و ضجيجها مثلنا ، علموا عظمة الله من عظمة خلقه فارتاحت نفوسهم و هدئ بالهم فإدا جاؤوا بصيد وفير شكروا الله و حمدوه و إن قدر عليهم رزقهم دعوه و تابوا إليه ...

قضيت مع هذه العائلة أحسن ساعتين في بيروت، طهرت فيها قلبي ٌقبل أن أعود إلى "الداون تاون" وهو الشارع الرئيسي للمدينة الفاخر الذي تعرض فيه الأزياء و تصطنع فيه السعادة و يتكلف فيه الضحك و يقول كل واحد للاخر بلسان حاله " أنا خير منك " و لنفسه " من أكثر مني مالا و ولدا"، و يعيشون وهم الحياة " تفاخرا بينهم ".

أختم هذا المقال بالترحم على روح صديقي الصياد أحمد الذي استضافني لمدة ثلاثة أيام في يونيو 2000 في ضواحي مدينة الصويرة المغربية عندما لم أجد يومها فندقا يؤويني، و على أرواح كل الصيادين الذين يقضون حتفهم في أعماق البحار ... فاللهم اغفر لهم و ارحمهم و أكرم نزلهم ووسع مدخلهم و تجاوز عنهم واغسل ذنوبهم بالماء و الثلج و البرد

Tag(s) : #مذكرات و خواطر

Partager cet article

Repost 0