المصريون شعب رائع فعلا ... نقابة الأطباء في مصر ترسل بشكل مستمر الأطباء إلى سوريا. اللوائح مفتوحة لكل أطباء البلد، ويكفي التسجيل فيها ثم إنتظار الدور للتطوع الإغاثي في مناطق سوريا المشتعلة ... يقومون بعمل ممتاز هنا ... يحولون المحافظات و الإدارات النظامية إلى مستشفيات ميدانية لكي لا يقصفها جيش الأسد، فتتعاقب الوفود المصرية على هذه المستشفيات التي يجهزونها بكل شيء ... هذه هي طريقة عملهم في كل المناطق المنكوبة في العالم العربي
عندنا في المغرب و مع كامل الأسف، النقابات لا تهتم إلا بما هو إحتجاجي و مطلبي ولا نتوفر إلى حد الآن على هيئة طبية إغائية مدنية مستقلة تهرع بشكل سريع و مدروس إلى أماكن الحروب و الزلازل و الكوارث ... جرت العادة أن يرسل الملك في كل مرة الوفد العسكري الطبي ثم قد تعقبه بعض المبادرات المدنية الشعبية المحتشمة
أحسن لحظات إقامتي في سوريا تلك التي قضيتها في نفس المستشفى مع فريق مصري و إخوتنا الأطباء السوريين في جو أخوي رائع ... الوحدة الإسلامية تتجلى بوضوح على الميدان بين الشعوب بعيدا عن الشعارات الرسمية الباردة ... نستقبل في كل ساعة جريح أو قتيل ... ما يحيرني هو أنني أعمل في ظروف جيدة بالرغم مما يعانيه السوريون من دمار مقارنة بمستشفى ابن سينا الذي أعمل فيه في بلدي الذي ينعم بالأمن ... هنا المريض يدخل إلى غرفة العمليات بعد ساعة و أي جريح يعالج في الحين ... بدون لف ولا دوران ... هناك أسرة - جمع سرير - كافية لإستقبال المستعجلات : 8 في بلدة صغيرة جنوب سوريا ... في الرباط العاصمة نستقبل المرضى في سرير واحد أو اثنين في الكثير من الأحيان ... لا أعرف من يعيش الحرب الحقيقية : هم أم نحن ؟ ... الدمار الحقيقي ليس من صنع الدبابات و الطائرات و لكنه من صنع الكسل و العجز و الفشل و الخنوع و الإحباط و الفساد الذي ينخر العقليات لدينا ... هناك الدمار المادي و الأخطر منه : الدمار النفسي و الروحي
كنا نتعجب من المصطلحات الطبية التي يستعملها كل أحد منا...السوريون درسوا الطب باللغة العربية والمصريون بالإنجليزية و نحن بالفرنسية ... المغرب هو طبعا الخاسر الأكبر في هذه المعادلة، لأن الفرنسية لم تعد رائدة في الميدان العلمي و الطبي، الفرنسيون أنفسهم يضطرون لتعلم الإنجليزية و نشر المقالات العلمية و المشاركة في المؤتمرات الطبية باللغة الإنجليزية ... مستعمرنا القديم يريد أن يحافظ على لغته في شمال إفريقيا و بعض دول جنوب الصحراء ليحافظ على هيبته و تبعية هذه الدول له ويقوم بكل ما في وسعه لكي لا تتبنى هذه الدول اللغة الإنجليزية كلغة ثانية أو رسمية لأن هذا يعني مباشرة إنسلاخها عن الثقافة الفرنسية و عدم إستفادة باريس من الأدمغة الإفريقية و كدا التقدم العلمي و الإقتصادي الذي ستعرفه مستعمراتها إذا تخلت عن لغة هي أقرب للشعر والغزل و الأدب منها إلى العلم و الإقتصاد و الإنتاج ... كل الدول التي تطورت ولحقت بركب الدول الكبرى درست العلوم بلغتها : في تركيا يدرسون بالتركية، وفي روسيا بالروسية و في "اسرائيل" بالعبرية، وفي الهند بالهندية و في ماليزيا بالماليزية و الدول التي اختارت لنفسها التخلف فهي تدرس بلغة مستعمرها ... الإصرار على الدراسة بالفرنسية بينما معظم المقالات العلمية و الكتب العالمية تصدر بالإنجليزية وأغلبية الوظائف في العالم تطلب إتقانها من أجل إرضاء اللوبي الفرونكوفوني المتغلغل في المغرب لهو فعلا من السخف و الغباء بما كان
كنا نتحدث مع المصريين و السوريين عن الربيع العربي و مستقبل الدول التي حدثت بها ثورات ... نجد أن المصري و السوري و المغربي العادي بالرغم من إختلاف خصوصياتهم الإجتماعية و نظامهم السياسي إلا أنهم يتكلمون هذه المرة لغة واحدة فقط و هي لغة التغيير وأن هدفهم يظل واحدا بالرغم من تعدد وسائل التغيير : إصلاح الأوضاع المحلية وإلغاء الحدود ووحدة الأمة وإنشاء سوق إقتصادية حرة مشتركة و حلف عسكري مشترك و توحيد العملة و تحرير القدس ... حلم يراود كل مسلم من طنجة إلى جاكرتا... هذا الحلم هو الذي جاء بنا إلى سوريا ... حلم بدأ مسلسله بتونس الخضراء و قد يطول لعقود قبل أن يتحقق و نرى ونحن على مشارف الموت باحات المسجد الأقصى مليئة بجموع المصلين العرب و المسلمين كما نراهم في مكة المكرمة و المدينة المنورة
طبيب مصري لطيف في مستشفى "دارة عزة" الذي يلقب الآن ب"مستشفى المصريين"، قال لزوجته و أولاده بأنه ذاهب ليحج بيت الله الحرام لكي لا يقلقوا عليه ... فجاء برفقة رفاقه لتجهيز و العمل بالمستشفى الذي كان محافظة والذي أصبح يستقبل الجرحى منذ ٢٥ يوم ... حرك هذا العمل في نفوسنا شيء و أصبحنا نفكر في إنشاء "مستشفى المغاربة" ليحج إليه الأطباء المغاربة بطريقة منتظمة ... حلم صغير لتحقيق الحلم الكبير