/http%3A%2F%2Fphotos-c.ak.fbcdn.net%2Fhphotos-ak-snc3%2Fhs005.snc3%2F11236_188743369937_808794937_2735352_4321286_n.jpg)
في صباح يوم الجمعة الباكر ذهبنا إلى قصر "دولمابهجة" الذي يعد أكبر و أفخم قصر في تركيا و يعكس حياة الترف و الطغيان التي عاشتها الدولة العثمانية حينما فسق مترفوها و طغى أهلوها و أولوا الأمر فيها وانقسمت على نفسها ووقع بأسها بينها بعدما انحرفت عن طريق الإيمان والتوحيد الذي نهضت وارتفعت به بين الأمم لخمسة قرون مضت ... و "دولمابهشة" تعني "الحديقة المحشوة" نظرا لكثافة خضرتها و زهورها.
بني هذا القصر بين سنتي 1842 و 1855 بأمر من السلطان عبد المجيد الثاني ، وكان بيتا لأخر ستة سلاطين عثمانيين ثم تحول إلى إقامة ثانوية لمؤسس الدولة التركية مصطفى كمال أتاتورك بعد سقوط الخلافة و تحويل العاصمة إلى أنقرة، كان يقضي فيه إجازته و بعض لقاءاته هناك وافته المنية صبيحة العاشر من نوفمبر 1938 بتشمع في الكبد الناجم عن تناوله المفرط للكحول ... و يتوفر القصر على 285 غرفة و 43 صالة و 68 مرحاضا و 6 حمامات، كما تتدلى في قاعة الاستقبالات والحفلات الرسمية، أكبر و أفخم ثريا في العالم مصنوعة من الكريستال الرفيع والتي تزن أربعة أطنان و نصف ... و الملاحظ أن الهندسة التي اعتمدت لبناء هذا القصر تأثرت بشكل كبير بالطراز الأوروبي بخلاف المعالم الأخرى التي يغلب عليها الطابع الشرقي أو العثماني الأصيل
بمجرد التنزه بين أروقة هذا القصر تدرك بعض أسباب سقوط هذه الدولة العظيمة، التي كان مؤسسها "عثمان بن أرطغل" زاهدا في الدنيا ومتطلعا إلى ما عند الله، جمع بين فتوحات البلاد بحد السيف و فتوحات القلوب بالإيمان والإحسان فإستحق لقب "عثمان غازي" ... عثمان أدرك أنه لا يدرك نعيم الآخرة الباقية بنعيم الدنيا الفانية فعاش طوال حياته عابدا زاهدا مجاهدا، قصره في قلبه و سريره فوق فرسه... و إليكم وصيته لإبنه وهو على فراش الموت لما فيها من المبادئ العامة لقيام الدولة العثمانية المستمدة أساسا من الشريعة الإسلامية السمحاء و التي تمسك بها من خلفه من السلاطين الأخيار ففلحوا وصلحوا وأصلحوا وقادوا الدنيا لمدة قرون، و تخلف عنها من جاء من بعدهم من السلاطين الذين اتبعوا الأهواء و الشهوات و المطامح فضلوا و أضلوا و خسروا خسرانا مبينا ...
يقول عثمان بن أرطغل لإبنه و هو يعظه
"يا بني : إياك أن تشتغل بشيء لم يأمر به الله رب العالمين ، وإذا واجهتك في الحكم معضلة فاتخذ من مشورة علماء الدين موئلاً... يا بني : أحط من أطاعك بالإعزاز، وأنعم على الجنود ، ولا يغرك الشيطان بجندك وبمالك، وإياك أن تبتعد عن أهل الشريعة.. يا بني : إنك تعلم أن غايتنا هي إرضاء الله رب العالمين، وأن بالجهاد يعم نور ديننا كل الآفاق، فتحدث مرضات الله جل جلاله .. يا بنى : لسنا من هؤلاء الذين يقيمون الحروب لشهوة الحكم أو سيطرة أفراد، فنحن بالإسلام نحيا ونموت، وهذا يا ولدي ما أنت له أهل ... واعلم يا بني أن طريقنا الوحيد في هذه الدنيا هو طريق الله، وأن مقصدنا الوحيد هو نشر دين الله، وأننا لسنا طلاب جاه ولا دنيا"
إن ما شهدته في قصر دولمابهجة الذي يحوي 14 طن من الذهب الخالص و العديد من المقتنيات البرونزية العتيقة و الزرابي المصنوعة يدويا في الهند واللوحات الفنية لكبار الرسامين الأوروبيين فاق كل مظاهر البدخ التي كنت أتصورها و بلغ من الفخامة و الرفاهية ما يفسر ضعف الدولة الرسالي و الحضاري في مرحلتها الأخيرة ... ولكم أن تزوروا الموقع الرسمي
الحكومي للقصر كي تدركوا ما عجزت الكلمات أن تصفه
http://www.dolmabahce.gov.tr
المفارقة هو أنه بالرغم من كل هذا الإنحراف، لم يجرؤ أحد من اخر السلاطين أن يلغي الشرع ويستجلب القوانين الرومانية والجرمانية نظرا للمكانة التي كان يحتلها الإسلام في قلوبهم، بل كان الفاسق والسكير منهم يسأل الله الرحمة و الرأفة به وهو في تلك الحالة من العصيان ... و بهذا بقي الشرع هو المعيار بالرغم من المنحرفين عنه، الأمر الذي يفسر كثرة بناء المساجد و المدارس الإسلامية من طرف اخر السلاطين أنفسهم و صلابة مقاومة التغلغل الأوروبي ورفض بيع فلسطين للصهاينة في المرحلة الأخيرة، و بقي الأمر على هذا الحال إلى أن سيطرت الجيوش الفرنسية و البريطانية على أغلب بلاد الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى و فرضت نفسها بالحديد و النار، و إزداد الطين بلة بصعود أتاتورك إلى السلطة ليوقع معاهدة تعترف ب"استقلال" تركيا مقابل التخلي عن الوحدة الإسلامية التي كانت قائمة في ظل الدولة العثمانية
Publicité